دبريد هواميل
النتائج 1 إلى 4 من 4
  1. #1
    الصورة الرمزية croom
    تاريخ التسجيل : Sep 2010
    رقم العضوية : 2
    المشاركات : 22,781
    التقييم : 10
    croom غير متواجد حالياً

    اليوم العالمي للغة العربية

    في اليوم العالمي للغة العربية: هل يجب نزع القداسة عنها؟




    بي بي سي - قرر المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) اعتماد الثامن عشر من ديسمبر/كانون الأول من كل عام يوما عالميا للغة العربية، للاحتفاء بها وزيادة الوعي بها وبتاريخها وثقافتها.

    ويعود اختيار هذا اليوم، 18 ديسمبر، إلى أنه اليوم الذي قررت فيه الأمم المتحدة في عام 1973 إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية المستخدمة في المنظمة الدولية ولجانها الرئيسية.

    وتعد العربية –التي يتحدث بها أكثر من 422 مليون شخص- من أكثر اللغات السامية استخداما اليوم في العالم، وإحدى أكثر اللغات انتشارا.


    وعلى الرغم من سرعة انتشار العربية وإقبال الأجانب على تعلمها، فإن وضعها اليوم –خاصة بين الناطقين بها من العرب- بحاجة إلى وقفة، نتعرف من خلالها على أهم اتجاهات الناطقين نحو لغتهم اليوم، وكيف ينظرون إليها، وملامح خطابهم اللغوي، ثم ما هو السبيل للنهوض بها.
    اتجاهات العرب نحو العربية

    يستطيع المتابع للكتابات والمناقشات التي تتناول اللغة العربية –سواء في الصحف المطبوعة أو المواقع الصحفية على الإنترنت، أم على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي- أن يلمس بعض سمات اتجاهات العرب اليوم نحو لغتهم وملامح خطابهم اللغوي.


    أولا: العربية –بالنسبة إلى معظم الناطقين بها- لغة كتاب مقدس، وقد جعلها هذا –في أذهان كثيرين- لغة مقدسة، بل يظن بعض العرب والمسلمين أن لغتهم –لذلك- مصانة ومحمية، ويرى بعضهم أيضا -نتيجة لهذا- أن العربية لم يعتورها تغير منذ نزول القرآن.


    ثانيا: نزعة التقديس التي يسبغها كثيرون من العرب على اللغة، تظهر بجلاء في طريقة تعاملهم اليومي في وسائل الإعلام مع الجديد من المفردات والتراكيب التي تفرضها الأحداث المتتابعة. إذ يتردد عادة معظم المترجمين والمدققين اللغويين في إدخال ألفاظ جديدة، أو صياغات محدثة إلى لغتهم، وتجدهم ينحون دوما إلى استشارة معاجم اللغة القديمة –التي كتبت في عصور وظروف وبيئات مختلفة- للتعرف على ما يمكن استعماله أو رفضه من مفردات.


    ثالثا: يشكو العرب مما يرونه "هجوما" على العربية، ويصفونه أحيانا بأنه "غزو" تتعرض له لغتهم، ويرون أن هذا ليس من أجل زعزعتها هي ذاتها، بل من أجل زعزعة الإسلام. ومصادر هذا الهجوم –من وجهة نظر الكُتّاب- اثنان: اللهجات المحلية، أو العاميات (أو ما يسمونه أحيانا "انحرافات لغوية")، واللغات الأجنبية، التي أصبحت تزاحم اللغة الفصيحة واللهجات المحلية في الكلام اليومي في بعض البلدان العربية ذاتها، خاصة بعض دول الخليج، وفي معاهد التعليم بعد سماح السلطات بفتح مدارس وكليات أجنبية في بعض الدول العربية.


    رابعا: وإلى جانب الشكوى السابقة التي تطغى على خطاب الكتاب والباحثين، يشيع كذلك في الخطاب نغمة فخر غير مبررة بأن العربية قادرة على مواجهة "الهجوم" و"الغزو"، وأنها ستنتصر "كما انتصرت في الماضي".
    حقائق لغوية

    إن عرض الخطاب اللغوي العربي السابق –كما أبرزته- على علم اللغة الحديث (Linguistics)، يكشف عن عدة حقائق مهمة:
    أولاها: حالة الازدواج اللغوي التي يعيشها جميع المتكلمين بالعربية اليوم. إذ أصبحت العربية الفصيحة هي اللغة الثانية في البلدان العربية، ومن هنا يمكن أن نفهم شيوع الأخطاء التي يرتكبها من يحاول التحدث أو الكتابة باللغة الفصيحة، إذ إن أبناء اللغة الأم لا يمكن أن يخطئوا فيها.


    ويجاور الفصيحة في المجتمعات العربية لهجات عامية هي اللغات الأم لأبناء تلك البلدان، يقضون بها حاجاتهم، ويستخدمونها في حياتهم اليومية صباح مساء.


    وانزوت العربية الفصيحة، واقتصر استخدامها على نشرات الأخبار والمواقع الإخبارية والصحفية، وقلة من البرامج، وبعض الأحاديث الدينية، وخطب الجمعة، والمناسبات الرسمية، وبعض معاهد التعليم الديني أحيانا.
    ثانيها: أن العربية –كغيرها من اللغات الأخرى- نظام من العلامات (هي الأصوات في الكلام المنطوق، والحروف في الكتابة) الذي طوره البشر، لقضاء حاجياتهم، وللتواصل مع بعضهم بعضا، وللتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم وعواطفهم، وهو نظام دائم التغير، ولا يمكن تجميده.


    ثالثها: احتكاك اللغة بغيرها من اللغات الأجنبية عليها أمر طبيعي، يساعد على إثراء اللغة ونموها، ولا يمكن عزل أي لغة عن هذا الاحتكاك.
    سبيل النهوض

    وفي ضوء تلك الحقائق اللغوية، لابد للناطقين بالعربية -في أول يوم عالمي لها- أن يعملوا بطريقة علمية وموضوعية –بعيدا عن العواطف كافة- على نهضة لغتهم، ولن يحققوا هذا إلا إذا تعاملوا مع العربية الفصيحة باعتبارها لغة ثانية تحتاج ما تحتاجه اللغة الثانية من اهتمام، في تعلمها وتدريسها.


    ثم عليهم أن يسعوا بعد ذلك إلى دراسة اتجاهات الناطقين بالعربية وخطابهم اللغوي دراسة متأنية مستفيضة، وتأسيس مجلس قومي للسياسات اللغوية، تكون مهمته وضع السياسات اللغوية المعتمدة على نتائج درس الاتجاهات، ومتابعة تنفيذها في معاهد التعليم، ووسائل الإعلام متابعة متواصلة صارمة.


    في اليوم العالمي للغة العربية.. عقوق لغوي بين أصحابها

    بترا - قال المحاضر في مركز اللغات في الجامعة الأردنية الدكتور محمود قدور , انه عند الحديث عن يوم اللغة العربيّة فاننا نتحدث عن (العقوق اللغوي) بين أوساط الشباب لا سيّما مع ما يُشاع اليوم من تشكيك في جدوى استعمال اللغة العربية الفصحى الأمر الذي يكاد يفقدها كل قيمة حيوية.

    واضاف لوكالة الانباء الاردنية ( بترا ) بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية الذي يوافق غدا الاثنين "نحن نشهد عقوقا لغويا يستشري في أوساط الشباب وبني جلدتنا كالمرض الخبيث, وقد أسهم التقدُّم العلمي والتكنولوجي الهائل بانتشار مواقع التواصل الاجتماعي من ( تويتر ، فيسبوك ، يوتيوب)، في تعميق هذا العقوق اللغوي ، إذ إنّ ضرره أعم وأشمل وأكثر تغلغلا وامتدادا في الزمن ، ويشكّل حالة شبه جمعيّة أكثر منها فرديّة ".
    واكد "أنّ لهاث هؤلاء الشباب وراء لغات الغرب الأوروبية التي آثروها على اللغة العربية، في تسيير دواليب الحياة العربية الحيوية والأساسية، أرسى لديهم مجموعة من الدعائم الفكريّة بانحطاط العربيّة عن اللغات الأخرى".

    وتساءل " ترى بأي لسان يُراد لنا اليوم أن نتكلم وأن نتنفس وأن نرتوي وأن نحيا وأن نتخيل وأن نحلم بعدما تلوثت مناهل اللغة لدينا بالكدر والطين , جرّاء هذه الفوضى اللغوية التي نشهدها أينما يمّمنا وجهنا."
    واستذكر جهود الدكتور نهاد الموسى وهو ينافح عن الفصحى، إذ قدم مشروعاً ريادياً متكاملاً في التحول إليها، يستنهض فيه الهمم منبهاً إلى الخطر الزاحف نحوها، إذ إنّها باتت مستهدفة في عقر دارها , حيث ينادي البعض بأن تحل العامية محل الفصحى، لذا نجده يساوي بين الاهتمام بالفصحى وإعلاء شأنها وبين الاهتمام بوحدة الأمة والمحافظة على إرثها الضخم وعلى مجدها وعزتها وكرامتها.

    ويشارك مجمع اللغة العربية الاردني ووزارة الثقافة بالاحتفال باليوم العالمي للغة العربية , حيث يجيء الاحتفال بهذا اليوم الذي يوافق للثامن عشر من كل عام بعد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة وبموجبه تم إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل في الأمم المتحدة.

    وقال أمين عام الوزارة مأمون التلهوني ان الوزارة ستقيم احتفالا في قاعة المؤتمرات بالمركز الثقافي الملكي بمشاركة نخبة من الشعراء الاردنيين الذين سيقدمون قصائد لكبار الشعراء العرب كالمتنبي , وامرؤ القيس, واحمد شوقي , وعرار وعمر ابو ريشة.

    وأكد أهمية العناية باللغة لدى الناشئة وفي المدارس والجامعات لافتا الى ان الوزارة وايمانا منها بأهمية مشاركة الشباب في الفعل الثقافي فان مجموعة من الشعراء الشباب ستشارك بقراءات شعرية خاصة كتبت باللغة العربية الفصحى .

    وأشار الى اهتمام الوزارة باللغة العربية من خلال اصداراتها المختلفة والتي تشمل مختلف الفئات العمرية حيث يتم التركيز على الاطفال من خلال مجموعة من الاصدارات مثل الكتب والمجلات والعروض المسرحية والمسابقات في مجال الشعر والادب والرواية .

    وقالت معلمة اللغة العربية امل النحال ان الاهتمام باللغة العربية ينبع من البيت والمدرسة لترسيخ القيم الجميلة التي تحملها لغتنا باعتبارها تمثل هوية الامة وجذورها الراسخة الى جانب اهمية اهتمام وسائل الاعلام باللغة الفصحي وتوظيفها بشكل قوي لان اللغة مكملة للعملية الاتصالية، وكذلك تشجيع الاجيال الناشئة على القراءة وخاصة القصص التاريخية من التراث العربي الاصيل .

    ودعت في هذا اليوم المدارس والجامعات الى التحدث باللغة العربية الفصحى لتصبح فيما بعد عادة يومية .

  2. #2
    المؤسس
    الصورة الرمزية croom
    تاريخ التسجيل : Sep 2010
    رقم العضوية : 2
    المشاركات : 22,781
    التقييم : 10

    croom غير متواجد حالياً

    في اليوم العالمي للغة العربية:
    50 مليوناً من العرب أمّيون


    المستقبل - كان يمكن أن نحتفل بفرح باليوم العالمي للغة العربية في الثامن عشر من كانون الأول/ديسمبر كونه اليوم الذي صدر فيه القرار 3190 للجمعية العامة للأمم المتحدة بإدخال لغة يتحدّثها أكثر من 430 مليوناً كلغة رسمية في الأمم المتحدة وهي لغة القرآن الكريم والصلاة لأكثر من مليار و680 مليون إنسان، لكن الصفعة، في اليوم العالمي للغتنا العربية، هي أن 50 مليون عربي معظمهم من النساء لا يجيدون القراءة والكتابة.
    الرقم الصفعة كشفه عشية اليوم العالمي للغة العربية، مدير مكتب اليونيسكو الإقليمي في الدول العربية الدكتور حمد بن سيف الهمامي، خلال إطلاق وزارة الشؤون الاجتماعية، بالتعاون مع مكتب اليونيسكو والسفارة الايطالية "خطة عمل تعليم وتعلم الكبار في لبنان".
    والصفعة تؤلم، ليس فقط لحجم الرقم الكبير، بل لأن الرقم يأتي في زمن العولمة والتطور التكنولوجي وفي زمن لم تعد الأمية مقتصرة على "فك الحرف" والقراءة بل على مهارات التواصل التكنولوجي والفكري مع الآخر..
    والأشد ألماً أن الـ50 مليون عربي المحرومين من القراءة والكتابة، محرومون كذلك من حق أساس من حقوق الانسان ومن شرط أساس من شروط التنمية.
    والأشد إيلاماً أن "وثيقة بيروت" التي خرج بها "المؤتمر الدولي للغة العربية الذي استضافته العاصمة اللبنانية في آذار الماضي عنونت: "اللغة العربية في خطر، الجميع شركاء في حمايتها"، مستندة الى 256 بحثاً ودراسة عرضت في 88 جلسة وندوة بمشاركة 850 باحثاً ومهتماً و158 جامعة من 47 دولة وأظهرت أن "معظم المعلمين والمعلمات لا يجيدون اللغة العربية كتابة ولا نطقاً ولا قراءةً. وأشارت الى "خلل في الكتب" والى أن "العاميّة باتت لغة التدريس" والى أن "اللغة الاجنبية أو اللغات الأجنبية باتت شرطاً للتوظيف والعربية لا". ولفتت الى أن "الاستثمار في اللغة العربية من أولويات الاستثمار في الانسان العربي وعقله وفكره ومهاراته وقدراته الشخصية وهويته". وحذّرت من أن "استمرار الأزمة يؤدي الى كارثة لغوية تهدد السيادة والاستقلال والهوية الثقافية والوطنية والشخصية".
    فهل نشهد التزاماً سياسياً وحكومياً حقيقياً بالسيادة والهوية الثقافية التي تكرّس بمحو الأمية القرائية وأميّة التواصل التكنولوجي في زمن الربيع العربي، فنحتفل بفرح باليوم العالمي للغة العربية؟!

  3. #3
    المؤسس
    الصورة الرمزية croom
    تاريخ التسجيل : Sep 2010
    رقم العضوية : 2
    المشاركات : 22,781
    التقييم : 10

    croom غير متواجد حالياً

    لغتنا العربية تطالبنا بوعي ذهنيتها

    الحياة - تحتفل غداً عواصم عربية ومراكز ثقافية عربية في عواصم عالمية بـ «اليوم العالمي للغة العربية» الذي أعلنته منظمة اليونسكو في 18 كانون الأول (ديسمبر) من كل سنة. وكانت الملحقيتان الثقافيتان السعودية والمغربية في اليونسكو هما اللتان سعتا إلى إحياء هذا اليوم العالمي بمؤازرة الملحقيات العربية الأخرى. الباحث يوسف الحوراني يستطلع دور لغة الضاد في الثقافة العربية ومكانتها الحضارية.



    لا أدعي أني أعرف الكثير من لغات العالم وذهنيات أبنائها، لكني أعرف ما يكفي منها للمقايسة مع لغتنا العربية والذهنية التي نشأت عنها ورافقتها خلال مسيرتها التاريخية الطويلة. وهي، كما نعرف، تفاعلت مع لغات جماعات مختلفة متعددة، تعاقبت على البروز في أرض البلاد العربية الحاضرة.
    وأعرف، إضافة إلى تطورات اللغة، أن هذه الجماعات بإمكاناتها الذهنية هي التي وضعت الأسس الراسخة والأقدم للحضارة الاجتماعية بعدها. هكذا يكون بحثنا في اللغة وبنياتها، إنما هو بحث عن شواهد رافقت التطور الفكري والمؤهلات التي رعته وشجعت استمراره.


    وأول ما يلفت في اللغة التي نستعملها في كتابتنا العربية هو اتساع مجال مفرداتها في تحول الدلالات. كما أن الحركات الصوتية لهذا التحول هي أوجز ما يكون الإيجاز أو الإلماع الوحي بالمطلوب. فالكلمة المفردة الواحدة من اللغة العربية قابلة للتحويل، بحركة أو بحرف، من فعل إلى فاعل أو مفعول به أو إلى ظرف مكان أو زمان أو إلى فعل ذاتي أو انفعال شخصي أو إلى مشاركة، كما إذا كانت الكلمة اسماً يمكن تحويلها إلى مطلق مثالي، لا ارتباط له بزمان أو مكان أو بفعل محسوس عندما تدخله "أل" التعريف.


    المفردة العربية هي كالمارد في القمقم



    كل هذا يتم مع الحفاظ على مصدر المفردة ودلالته الأصيلة، حتى ليمكننا القول، باستعارة تشبيه مألوف، أن المفردة العربية هي كالمارد في القمقم بإمكاناتها التعبيرية عن الإرادات والحالات المطلوبة.

    وهذه الحالة قل أن نجد ما يقاربها في اللغات الأخرى. وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على ذهنية التقصي والإصرار على المتابعة، مع الالتزام التام بالمبدأ والغاية المقصودة من دون أي التباس.

    ولنأخذ كموضوع كلمة عربية عادية نستعملها مثل فعل "قبل":
    قَبل، يقبل، إقبل، قابل، قبول، استقبل، تقبَّل، مقابل، قبيل، قبالة، قبيلة، أقبل، انقبل، قبَّل، مقبول، قِبل، إلى آخر الجدول الشقاقي...

    إن أمثال هذه المفردة الواحدة مع حالاتها العديدة التي تتحول إليها دون التباس، هي خير مثال عن ذهنية الذين توافقوا على قواعد استعمالها، مع رهافة التغييرات التي أدخلوها على أصلها للتعبير عن المراد من حالاتها.


    لقد نقل الفينيقيون، أسلاف العرب، الكتابة من ترميز للأشياء والإرادات في الكتابة المسمارية إلى ترميز لنطق الإنسان ذاته، مهما يكن وضعه في المجتمع، فجعلوا لكل حركة نطق صوتية رمزاً يسهل رسمه وحفظه. أي أنهم وضعوا صوراً لما لا صورة له
    وهنا، أورد مقاربة واعية لهذا الموضوع، كان كتبها المغربي علال الفاسي في العدد الأول من مجلة "اللسان العربي" عام 1964، حين علّق على كتابة لابن جني فقال: "... وزيادة على ذلك، فإن اللغة انبثاق من النفس ومن المجتمع. فدراسة الدلالات اللفظية يكشف عن العلاقة التي بين الكلمة وبين الفكر الذي انبثقت منه والوسط الذي ولدت فيه. وهذا ما يعطي علم الدلالة قيمة عظيمة الأهمية، إذا شئنا، أن تعرف كل أمة نفسها عن طريق لغتها الأم وما تحمله ألفاظها من عالم الماضي وصوره."


    وأضيف إلى إضافته: أن اللغة تكشف ما هو كامن في النفس الجماعية لأبناء اللغة من نزعة للتقصي والإصرار على الالتزام وقابلية للتعامل والتحول، من دون ارتباك أو تنازلات، بل ومن دون التباس أو ابتعاد عن الغايات.

    وهنا ألفت إلى أن الفعل الذي صودف اختياره كمثال، تبين عند التأمل العملي فيه أنه فعل ذاتي، عاطفي، اجتماعي وتاريخي أصيل. وعند مراجعة معجمية سريعة، تبين له في معجم "المنجد" فقط، وهو الأوجز، "65" مدلولاً إضافة إلى ما ذكرنا من تراكيب. وجميعها ذات علاقة منطقية ببعضها، تبررها ظروف استعمالها أو تاريخيتها أو حتى الحس الذاتي العاطفي. وكمثل منها: قبالة بمعنى كفالة، ثم بمعنى مواجهة، وأقبال الجبل تعني سفحه، أي ما يقبل أو يقابل الإنسان. كما الإقبال بمعنى الخصب.

    وهذه الحالة من التوسع بالمدلولات تؤكد الالتزام والإصرار على ربط الطارئ بأصل ثابت معروف، مهما تكن رهافة العلاقة في هذا الربط. وهو ما سيتكشف لنا في كتابة الحروف العربية ذاتها بوضوح.


    الكتابة العربية

    قال شاعر العرب الكبير المتنبي: أعز مكان في الدنيا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب. أما علال الفاسي فيشير إلى أن "الأمة تعرف نفسها من خلال لغتها".



    لقد نقل الفينيقيون، أسلاف العرب، الكتابة من ترميز للأشياء والإرادات في الكتابة المسمارية إلى ترميز لنطق الإنسان ذاته، مهما يكن وضعه في المجتمع، فجعلوا لكل حركة نطق صوتية رمزاً يسهل رسمه وحفظه. أي أنهم وضعوا صوراً لما لا صورة له. ومع هذا الإبداع أوجدوا قيمة جديدة نوعية لكل إنسان يستطيع النطق، مهما يكن لونه أو قوميته. وهذا الإبداع اصطلحنا على تسميته «الأبجدية».

    لكنهم، مع ذلك، لم يوفوا الموضوع حقه في تصنيف الأصوات، فاقتصروا على اثنين وعشرين حرفاً، كانت مألوفة في التعامل الأكادي الكنعاني قبلهم. وبـرز العرب بنـزعة الـتقصـي لديهم خلال لغتهم الثلاثية المقاطع. فـميـزوا فـي النطق ستة حروف جديدة أضافوها للمتداول في الكتابة الأبجدية.
    ومن دون تمنين أو إنكار فضل للسابقين استعملوا الصور الموجودة للحروف، وأكملوا البناء عليها، بإضافة نقاط مرهفة فوقها، فقط فوق الحروف ذات القابلية للتميز. والحروف هي: «ث خ ذ ض ظ غ».

    لم تقتصر هذه الإضافة على كونها إبداع فن، بل كانت إمعان تقدير وتحرير للنطق بالكلمات. وقد حرصوا كذلك على استمرارية التراث الذي وصلهم خلال وضع الرمز الكتابي للحرف المضاعف بالشدَّة، فهي كتبوها مثلثة الأسنان فوق الحرف، لأنها كانت خلال الكتابة المسمارية تكتب بثلاثة مسامير على الطين، وكأنها حرف منطوق مستقل، بينما هم جعلوها حركة نطق فقط.

    ولم يباعدوا بين كتابة الألف والعين، وهما مشكلة الالتباس التي لا زلنا نعاني منها في الحروف اللاتينية التي لا وجود لحرف العين فيها. لقد وجدوا الحل بكتابة الهمزة فوق الألف بصورة «عين» مجتزأة. وكأن ذلك كان وعياً للمشكلة وإشارة توكيد على وجودها.

    هوية الأمة

    يعتمد الخط العربي جماليا على قواعد خاصة تنطلق من التناسب بين الخط والنقطة والدائرة، وتستخدم في أدائه فنيا العناصر نفسها التي تعتمدها الفنون التشكيلية الأخرى، كالخط والكتلة، ليس بمعناها المتحرك ماديا فحسب بل وبمعناها الجمالي الذي ينتج حركة ذاتية تجعل الخط يتهادى في رونق جمالي مستقل عن مضامينه ومرتبط معها في آن واح
    ونبقى مع «علال الفاسي» في قوله: «الأمة تعرف نفسها من خلال لغتها». والنفس هنا، كما نفهمها، هي نزوع الأمة وميولها النفسية. والميول الأساسية لدى الإنسان العربي هي التطلع إلى البعد الآخر للإنسان، خلال التدين والحنين إلى المطلق الإلهي، أي الحس بالميتافيزيق.


    هذه الحالة كانت مرافقة للذهنية السامية الأقدم التي عبَّروا عنها بالتعبد والالتفاف حول معابد أنشأوها لآلهة، افترضوها مسؤولة عن رعاية شؤونهم. وقد اصطلح الأكاديون في بابل على وضع صورة «نجمة» فوق أسماء هذه الآلهة لتمييزها عن أسماء الناس. كانت هذه النجمة تقرأ بلفظ «أل» باللغة الكنعانية التي ورثتها العربية. وبلغ عدد الأسماء التي تحملها الآلاف خلال الكتابات التي كشفها الآثريون في مكتبة «أشور بانيبال» الشهيرة.
    وعندما شاؤوا التعريف بهذه اللفظة ومدلولها اللاهوتي المطلق، استعملوا في الكتابة المسمارية نجمة فوق نجمة، فغدت تقرأ باللفظ العربي «أل أل»، أي الإله الواحد المطلق.

    استفاد منظمو استعمال اللغة العربية من انتشار استعمال «أل» للأسماء اللاهوتية، وتابعوا استعمالها مع الأسماء المصادر كبادئة تشير للمطلق، أي المبدأ والمثال غير المحسوس للشيء، أو الفعل، أي للمصدر؛ بينما غدا اسم «الله» في التداول مفصولاً علوياً عن المحسوسات. هكذا بقي الذهن العربي محافظاً، خلال اللغة، على تاريخية الارتقاء، بفكرة التوحيد والعقيدة الدينية؛ وهي حالة ليست عند غيرها من اللغات التي تعاملت مع «أل» التعريف هذه.

    هكذا نجد أن اللغة العربية، كما وصلتنا، كانت تعبيراً عن «ذهنية» شديدة الحرص على قيمة الإنسان ونطقه، مبدعة في التصنيف والتحديد والتركيب، رهيفة في اكتشاف العلاقات والتعبير عنها بالصيغ والاشتقاقات الموائـمة، واسـعة الـصدر لـقبول لـغات الآخـريـن وخبراتهم، عميقة التجربة في الحدس والإلماع إلى الخفايا والكوامن التي يرجحها المنطق.

    والسؤال الذي ينشأ لدينا بعد هذه «اللمحة» عن الذهنية العربية: هل هي غير ما تطلبه الحضارة الحديثة للإسهام في مسيرتها؟
    إني أخال الذهنية العربية لا تزال سجينة في «قمقم»، كالمصدر للمفردة العربية، ولا بد لنا من كشف تعويذة تفتح هذا القمقم السحري. وعندها ينطلق العرب لمماشاة لغتهم ومفرداتها المتسعة المدلولات، الضابطة لكل علاقة مهما رهف وجودها وتضاءل فعلها.

    ولا نستطيع إلاَّ أن نفترض أن الذين نظموا التعامل باللغة، بمثل هذه الرهافة المسؤولة، وأوجدوا الموسوعات اللغوية في تقصي دلالات ألفاظها وعلاقاتها، لا يزال أحفادهم مؤهلين لاتباع نهجهم والدخول بهذا النهج إلى عالم الفيزياء والعلوم الحديثة. وفي هذا العالم الغامض سيكون لهم دور هام في الموجيات والرادياويات ومجهريات الفضاء، وتحولات العدم والطاقة والتكوين، بل وأسرار استمرارية الحياة... وجميع هذه هي حقول حرية لتوكيد معنى الإنسان...

  4. #4
    عضو جديد
    الصورة الرمزية لونا عمر
    تاريخ التسجيل : Dec 2012
    رقم العضوية : 6706
    المشاركات : 1
    التقييم : 10

    لونا عمر غير متواجد حالياً

    موضوع رائع تسلم ايدك يااستاذ

 

 

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Powered by vBulletin®
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
Translate By Almuhajir
جميع المواضيع و الردود المطروحة لا تعبر عن رأي المنتدى بل تعبر عن رأي كاتبها فقط
الساعة الآن 12:34 PM