دبريد هواميل
النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1
    الصورة الرمزية croom
    تاريخ التسجيل : Sep 2010
    رقم العضوية : 2
    المشاركات : 22,781
    التقييم : 10
    croom غير متواجد حالياً

    هل يجب تخفيض قيمة العملة؟

    هل يجب تخفيض قيمة العملة؟

    الدكتور : محمد السقا

    سعر العملة، أو بصورة أدق معدل صرفها بالنسبة للعملات الأجنبية، يعد أحد أهم الأسعار في الدولة على المستوى الاقتصادي الكلي، وذلك نظرا لاتساع الآثار التي تترتب على تغير هذا المعدل على الدخل والإنتاج والتوظف ومن ثم مستويات الرفاه، فضلا عن تأثيراتها على تدفقات التجارة من الصادرات والواردات وكذلك الطلب على الأصول المالية والحقيقية في الدولة. ومعدل الصرف بشكل عام يحدد عدد الوحدات التي تدفع من العملة الوطنية للحصول على وحدة واحدة من العملات الأجنبية، وعندما يتغير معدل صرف العملة بالنسبة للعملات الأجنبية، فإن هذا التغير قد يأخذ صورة تخفيض في قيمة العملة Depreciation، أو ارتفاع في قيمة العملة Appreciation، ولكل من هذين التغيرين تأثيراتهما العميقة على الاقتصاد، وتنافسيته (قدرته على تعبئة الموارد من العملات الأجنبية)، وبالتالي ميزانه التجاري (الحساب الذي تسجل فيه قيمة صادرات الدولة ووارداتها من السلع).

    وتتعدد نظم معدل الصرف بشكل عام، إلا أنه يمكن تلخيصها في نظام لمعدل الصرف الحر أو المعوم Floating، ونظام تثبيت معدل الصرف بالنسبة لعملة دولية مثل الدولار Pegged، أو قد يتم تحديد معدل الصرف من خلال استخدام سلة من العملاتCurrency basket، يعطى كل منها وزنا في تحديد قيمة العملة داخل السلة، وعادة ما يتحدد هذا الوزن حسب نسبة المعاملات التجارية بين الدولة والدولة صاحبة هذه العملة، أو قد يتم تحديد معدل الصرف من خلال التدخل الحكومي وفقا لقوى السوق، مع التدخل من وقت لآخر لتوجيه اتجاه هذا التقلب، وهو ما يطلق عليه التعويم القذر Dirty floating، والذي يتم بهدف التأكد من أن التغير في قيمة العملة يسير الاتجاه المرغوب فيه من قبل حكومة هذه الدولة.

    ويفترض من الناحية النظرية أن يترتب على تخفيض قيمة العملة المحلية رفع درجة تنافسية الدولة، ومن ثم زيادة صادراتها نتيجة انخفاض أسعار هذه الصادرات بالنسبة للأجانب، كما يترتب على تخفيض قيمة العملة ارتفاع أسعار الواردات بالنسبة للمقيمين في الدولة، وهو ما يؤدي إلى تحويل الطلب على السلع المنتجة محليا بدلا من تلك المستوردة، أو يشجع الصناعات البديلة للواردات، وهو ما يساعد على تخفيض العجز في الميزان التجاري أو تحقيق فائض فيه، والعكس في حالة رفع قيمة العملة المحلية. ومن الواضح أن خفض قيمة العملة أو ارتفاعها يؤدي إلى التأثير على حجم المعاملات التجارية للدولة، نتيجة لتأثيرات تغير معدل صرف العملة على ما يسمى بالأسعار النسبية الدولية، أو شروط التبادل التجاري للدولةTerms of trade (أسعار صادرات الدولة بالنسبة لأسعار وارداتها). فرفع قيمة العملة يجعل صادرات الدولة أكثر تكلفة بالنسبة للأجانب، بينما يجعل الواردات من الخارج أرخص بالنسبة للمقيمين فيها (تحسن شروط التبادل التجاري لصالح هذه الدولة)، بينما يؤدي تخفيض قيمة العملة إلى جعل الواردات من الخارج أكثر تكلفة بالنسبة للمقيمين فيها، في الوقت الذي تصبح فيه صادراتها إلى الخارج أرخص نسبيا بالنسبة للمقيمين في الخارج (تراجع شروط التبادل التجاري في غير صالح هذه الدولة).

    غير أنه ليس شرطا أن يترتب على تخفيض قيمة عملة الدولة حدوث تحسن في ميزانها التجاري، حيث يؤثر تخفيض قيمة العملة إيجابا على الميزان التجاري فقط في ظل توافر شروط أهمها ارتفاع مرونات الطلب السعرية للصادرات (درجة استجابة الطلب على الصادرات في الخارج نتيجة تغير أسعارها) والمرونة السعرية للواردات (درجة استجابة الطلب على الواردات في الداخل نتيجة لتغير أسعارها)، وهناك ما يعرف في الاقتصاد الدولي بشرط مارشال/ ليرنر، والذي يمدنا بقاعدة سهلة لتقييم أثر التغير في معدل الصرف على الميزان التجاري للدولة، حيث ينص على أنه إذا ما كان مجموع مرونتي الطلب السعرية للصادرات والواردات أكبر من الواحد الصحيح، فإن تخفيض قيمة العملة في هذه الحالة سيؤدي إلى تحسين وضع الميزان التجاري، ومعالجة العجز فيه. إذ يترتب على خفض قيمة العملة زيادة الإيرادات من الصادرات، بينما ينخفض الإنفاق على الواردات، مما يساعد في تحسين وضع الميزان.

    على الرغم من أن شرط مارشال/ ليرنر يعد شرطا ضروريا لتحسن وضع الميزان التجاري للدولة مع تخفيض قيمة عملتها، إلا أنه ليس شرطا كافيا لتحسن وضع الميزان التجاري عند تخفيض قيمة العملة. إذ لابد أن يصاحب ذلك توافر شروط محددة حول قدرة العرض المحلي من السلع على الاستجابة للتزايد في الطلب على الصادرات مع تخفيض قيمة العملة. على سبيل المثال لا بد عند تخفيض قيمة العملة من التأكد من توافر طاقة إنتاجية فائضة تمكن الدولة من زيادة الإنتاج لمواجهة النمو في الطلب على الصادرات من السلع المحلية، وكذلك لمواجهة النمو في الطلب على السلع التي تنتج محليا، والذي سيصاحب ارتفاع أسعار الواردات من الخارج وتحول المقيمين نحو استهلاك السلع المحلية بدلا من المستوردة. معنى ذلك أنه إذا ما تمت عملية تخفيض قيمة العملة دون التأكد من قدرة جهاز العرض المحلي من السلع والخدمات على مواجهة الزيادة في الطلب عليه، فإن تخفيض قيمة العملة لن يؤدي إلى الآثار المتوقعة له على الميزان التجاري، ويطلق على السياسة الرامية لتحويل إنفاق المستهلكين من الإنفاق على الواردات إلى الإنفاق على السلع المحلية البديلة لها سياسات تحويل الإنفاق.

    ربما تبدو أهمية هذه النقطة بصورة أكبر في حالة الدول النامية، حيث تنخفض مرونة العرض السعرية (درجة استجابة الكميات المعروضة من السلع لتغيرات الأسعار)، إذ تنخفض هذه المرونة بشكل واضح نظرا لاعتماد هذه الدول بشكل عام على إنتاج السلع الأولية، سواء في أنشطة الزراعة أو الصيد أو التعدين، حيث تنخفض استجابة العرض من هذه السلع مع تغيرات أسعارها على المستوى الدولي، وذلك مقارنة بأنشطة الإنتاج الأخرى التي تقوم أساسا على الصناعة أو تقديم الخدمات، والتي يكون عرضها أكثر مرونة بالنسبة للتغيرات في الأسعار.

    من ناحية أخرى، فإن الدراسات تشير إلى أنه حتى لو توافر شرط مارشال/ ليرنر وكان هناك طاقة إنتاجية فائضة لدى الدولة تمكنها من مواجهة الزيادة في الطلب على صادراتها، فإنه من الممكن ألا يترتب على تخفيض قيمة العملة تحسن آن في ميزانها التجاري، بسبب أن المرونات بشكل عام في الأجل القصير تكون منخفضة، وهو ما يتسبب في حدوث ما يسمى بمنحنى J، والذي ينشأ نتيجة ارتفاع فاتورة الواردات بصورة أكبر من زيادة الإيرادات من الصادرات، وضعف استجابة الكميات المستوردة والمصدرة للتغيرات التي تحدث في الأسعار النسبية الناجمة عن التخفيض.

    ويعني منحنى J، حدوث زيادة في عجز الميزان التجاري مباشرة في أعقاب تخفيض قيمة العملة (الجزء النازل من حرف J)، وذلك بسبب أن تأثير التغير في أسعار الصادرات والواردات الناتج عن تخفيض قيمة العملة أكبر من استجابة الكميات المطلوبة منهما، وهو ما يعني أنه مع تراجع أسعار الصادرات نتيجة تخفيض قيمة العملة لا تتزايد الكميات المطلوبة من الصادرات، أو تتزايد على نحو ضعيف، مما يؤدي إلى تراجع إيرادات الصادرات، في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار الواردات نتيجة تخفيض قيمة العملة، بينما لا تتراجع الكميات المستوردة من الخارج، أو تتراجع على نحو ضعيف، مما يؤدي إلى زيادة المدفوعات على الواردات، وهو ما يعني زيادة العجز في الميزان التجاري في البداية، غير أن كميات الصادرات والواردات تأخذ بعد ذلك في الاستجابة للتغيرات في الأسعار، فيتزايد الطلب على الصادرات ومن ثم الإيرادات منها، بينما تتراجع الكميات من السلع المستوردة من الخارج، ومن ثم يقل الإنفاق عليها، وبالتالي يتحسن وضع الميزان التجاري لاحقا (الجزء الصاعد إلى أعلى من حرف J).

    غير أن الدراسات التي تمت لاحقا على الدول النامية، بصفة خاصة على الدول الناشئة في آسيا أثبتت أن استجابة ميزان المدفوعات قد لا تأخذ شكل حرف J، وإنما تأخذ شكل حرف S، حيث وجد أن الارتباط المشترك بين شروط التبادل التجاري وميزان المدفوعات لهذه الدول لم يكن على شكل حرف J، وإنما كان على شكل حرف S. حيث وجد أن الميزان التجاري يتأثر بصورة سلبية بالتحركات الحالية والمستقبلية في شروط التبادل التجاري، بينما يتأثر بصورة إيجابية بالتحركات السابقة فيها. وبمعنى آخر فإن التحسن في الميزان التجاري الناتج عن تخفيض قيمة العملة في البداية يؤدي إلى زيادة مستوى الناتج والتوظف، وهو ما يرفع من مستويات المعيشة في الدولة ومن ثم ارتفاع المستوى العام للأسعار، وهنا تتحسن شروط التجارة بالنسبة للدولة، الأمر الذي يؤثر سلبا مرة أخرى على الميزان التجاري.

    ولا يقتصر تأثير تغير معدل الصرف على الصادرات والواردات من السلع والخدمات، وإنما يمتد أيضا إلى الطلب على الأصول المالية والحقيقية بين دول العالم، أو الاستثمارات ما بين دول العالم. فعندما تنخفض قيمة العملة فإن قيمة الأصول الخارجية التي يملكها المقيمون في هذه الدولة ترتفع (مثل أسهم الشركات الأجنبية، أو المودعات في البنوك الأجنبية نتيجة ارتفاع قيمة العملة التي تقيم بها هذه الأصول بالنسبة للعملة الوطنية)، فيزيد إقبال المقيمين على الاحتفاظ بالأصول الأجنبية، أي يتزايد خروج رؤوس الأموال إلى الخارج، بينما يجد الأجانب أن قيمة الأصول المحلية التي يملكونها في الدولة تتراجع نظرا لتراجع قيمة العملة المحلية فيقل الإقبال من قبل الأجانب عليها، وبالتالي يقل تدفق رؤوس الأموال إلى الداخل.

    غير أنه عندما تكون الدولة مدينة إلى الخارج بدين كبير (أي مقوم بالعملة الأجنبية) فإن تخفيض قيمة عملة هذه الدولة سيضر بها. على سبيل المثال إذا كانت الشركات في هذه الدولة أصولها مقومة بالعملة المحلية، بينما التزاماتها مقومة بالعملة الأجنبية، فإن تخفيض قيمة العملة يؤدي إلى تراجع قيمة أصولها بالنسبة لالتزاماتها، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى إفلاس تلك الشركات أو عدد كبير منها، خصوصا تلك العاملة في القطاع المالي، مثلما حدث في الأزمة الآسيوية، ويطلق على هذا الأثر في علم الاقتصاد أثر الميزانية Balance sheet effect، وقد يكون هذا الأثر جوهريا، حيث يترتب على تخفيض قيمة العملة آثار سلبية تفوق الآثار الإيجابية التي يمكن تحقيقها من خلال التحسن في التجارة الخارجية للدولة ومن ثم ميزان مدفوعات الدولة، وقد تستجيب الحكومات لمثل هذه التطورات من خلال رفع معدل الفائدة بهدف جذب رؤوس الأموال إلى الداخل والحد من اتجاهها نحو الخارج، الأمر الذي يمكن أن يؤثر سلبا على مستويات الاستثمار والتشغيل، ومن ثم مستويات الرفاه.

    عزيزي القارئ، كان لابد من هذه المقدمة النظرية لموضوع تخفيض قيمة العملة الوطنية، وذلك للتأكد من تكوين الخلفية المناسبة لفهم الآثار المتوقع حدوثها في الاقتصاد المصري نتيجة المقترح المعروض حاليا في مصر، وذلك بالسماح للجنيه المصري بأن ينخفض بصورة تدريجية، فهل يجب على مصر أن تسمح بتخفيض قيمة عملتها؟ هذا ما سأتناوله في الأسبوع القادم، بإذن الله تعالى.

  2. #2
    المؤسس
    الصورة الرمزية croom
    تاريخ التسجيل : Sep 2010
    رقم العضوية : 2
    المشاركات : 22,781
    التقييم : 10

    croom غير متواجد حالياً

    مخاطر تخفيض قيمة العملة

    بقلم الدكتور محمد السقا



    قدمنا في الأسبوع الماضي خلفية نظرية عن موضوع تخفيض قيمة العملة وأشكاله وآثاره المختلفة؛ تمهيدا لتحليل آثار الدعوة إلى ترك الجنيه المصري ينخفض وفقا لضغوط سوق النقد الأجنبي، وهي، من وجهة نظري، دعوة تواجه العديد من المخاطر، خصوصا في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها مصر حاليا في أعقاب ثورة 25 يناير.


    الدعوة إلى السماح بخفض قيمة الجنيه ربما تستند إلى عدد من الحجج، أهمها الرغبة في زيادة الصادرات وتقليص الواردات، ومن ثم تحسين وضع الميزان التجاري، وتشجيع السياحة وتشجيع الاستثمارات الأجنبية في التدفق إلى الاقتصاد المصري، وبالتالي تخفيف الضغوط في سوق النقد الأجنبي، وهي حجج سوف أتناولها جميعا في هذا المقال؛ لنحاول أن نحدد المخاطر التي تحيط بعملية تخفيض قيمة الجنيه في مصر.
    أولا: هل يؤدي تخفيض قيمة الجنيه المصري إلى تحسين موقف الميزان التجاري؟ في حلقة الأسبوع الماضي أشرنا إلى أن نجاح عملية تخفيض قيمة عملة الدولة في تحسين موقف ميزانها التجاري يرتبط بشروط ارتفاع مرونات الطلب السعرية لكل من الصادرات والواردات، فضلا عن ضرورة أن يصاحب ذلك ارتفاع قدرة العرض المحلي من السلع على الاستجابة للتزايد في الطلب على الصادرات مع تخفيض قيمة العملة، فهل هذه الشروط تتوافر للاقتصاد المصري؟ الشكل رقم (1) يوضح تطور معدل صرف الجنيه المصري بالنسبة للدولار (عدد الجنيهات اللازمة لشراء دولار أمريكي واحد، الارتفاع يعني انخفاض قيمة الجنيه بالنسبة للدولار)، وكذلك تطور صادرات وواردات مصر (بملايين الدولارات الأمريكية) خلال الفترة من 1977 حتى 2009.


    ومن الشكل (1) نلاحظ أن استجابة الصادرات لتخفيض قيمة الجنيه تعد محدودة جدا، وأن التخفيضات الجوهرية للجنيه المصري في 1979 و1989 – 1991 و2001 – 2003 لم يصاحبها تطور يذكر في نمو الصادرات، ويمكن أن يعزى نمو الصادرات في السنوات الأخيرة إلى ارتفاع أسعار المواد الهيدروكربونية (النفط والغاز)؛ وهو ما أدى إلى ارتفاع إيرادات الصادرات من هذه المنتجات، وليس نتيجة انخفاض قيمة الجنيه. من ناحية أخرى يلاحظ من الشكل أن ضعف الجنيه لن يؤدي إلى النتيجة التي يتوقعها المراقبون بالنسبة للواردات؛ إذ يلاحظ ضعف استجابة الواردات بصورة واضحة لتخفيض قيمة الجنيه المصري، وأن العكس هو المتوقع، حيث سترتفع قيمة فاتورة الواردات (بالجنيه المصري)، وهي مشكلة كبيرة بالنسبة لدولة مثل مصر تستورد جانبا كبيرا من المدخلات من المواد الخام والسلع الوسيطة اللازمة لعمليات الإنتاج، ومعظم السلع الرأسمالية من الخارج، وهو ما يعني أن خفض قيمة العملة لا محالة سيؤدي إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج وارتفاع أسعار السلع المنتجة محليا من جانب، فضلا عن ارتفاع أسعار السلع النهائية المستوردة من الخارج من جانب آخر. محصلة ما تقدم هو أن تخفيض قيمة الجنيه لن يؤدي إلى تحسين وضع الميزان التجاري بقدر ما ستؤدي إلى المزيد من التضخم في الأسعار.


    ثانيا: هل يؤدي تخفيض قيمة الجنيه المصري إلى تشجيع السياحة؟ يفترض من الناحية النظرية أن تخفيض قيمة الجنيه سيترتب عليه ارتفاع القوة الشرائية للزائرين لمصر، غير أن هذه المكاسب في القوة الشرائية لعملاتهم يمكن أن تتلاشى مع الارتفاعات المتوقعة في معدل التضخم، خصوصا وأن التجربة السابقة تشير إلى أن أثر تخفيض قيمة الجنيه على معدل التضخم كان مرتفعا، وهو ما يعني أن الأثر الصافي لتخفيض قيمة الجنيه على القوة الشرائية للإنفاق الذي يقوم به السائح ليس كما هو متوقع.


    من ناحية أخرى، فإن مصر، للأسف الشديد، على الرغم من امتلاكها أكبر مخزون في العالم من آثار العالم القديم، وشواطئها الطويلة جدا على سواحل البحر الأحمر والمتوسط، ومناخها المعتدل نسبيا، خصوصا في الشتاء، إلا أنها ليست مصنفة بين الدول ذات الجذب السياحي على المستوى العالمي، وأداء مصر في هذا الجانب يعد متواضعا للغاية بالنظر إلى الإمكانات الضخمة الكامنة فيها. على سبيل المثال تظهر تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي عن السفر والسياحة، التي يصدرها بشكل سنوي، أن الترتيب الدولي لمصر في المؤشر العالمي للسفر والسياحة يعد متواضعا، بل ربما يدهش البعض إذا علم أنه وفقا للتقرير الأخير في 2011 فإنه، فيما عدا الكويت، فإن دول مجلس التعاون تحتل ترتيبا دوليا أفضل من مصر في هذا المؤشر، حيث تحتل الإمارات المركز 30، والبحرين 40، وقطر 42، وعمان 61، والمملكة العربية السعودية 62، بينما تحتل مصر المركز الـ 75، وأخيرا الكويت 95، وذلك من بين 139 دولة يشملها التقرير. ويرجع هذا الترتيب المتواضع إلى ضعف ترتيب مصر في المؤشرات الفرعية التي يقوم عليها هذا المؤشر، ففي المؤشر الفرعي الخاص بالأطر التنظيمية تحتل مصر المركز الـ 70، وفي المؤشر الفرعي الخاص ببيئة الأعمال والبنية التحتية تحتل المركز الـ 74، وأخيرا في المؤشر الفرعي الخاص بالموارد البشرية والثقافية والطبيعية تحتل المركز الـ 71 عالميا.
    من الواضح أنه ينظر في مصر إلى الخدمة السياحية على أنها مجرد آثار أو شواطئ أو أماكن للتنزه، متناسين أن السياحة هي في الأصل برامج وحزم مصممة بعناية شديدة وخدمات سياحية على أعلى مستوى وخدمات لوجستية فائقة وبنية تحتية راقية، والأهم ثقافة تعامل مع السائح كما يجب أن يعامل به بقوة بشرية مدربة جيدا في هذا المجال، وجميع هذه المقومات تفتقدها مصر حاليا إلى حد كبير. المنتج السياحي لا يحتاج إلى تخفيض قيمة الجنيه بقدر ما يحتاج إلى تطوير جوهري في محتواه ومكوناته وبيئته. مصر في حاجة إلى استراتيجية سياحية جديدة تركز أساسا على خدمة السائح وتقديم أفضل منتج سياحي عالمي في هذا المجال، مستعينة ببيوت الخبرة المتخصصة، ونشر الوعي بين المتعاملين مع السياح والمواطنين بأهمية السائح لمصر وكيفية الاهتمام به.


    وأخيرا، لا بد من الإشارة إلى أن جانبا كبيرا من زوار مصر هم من الإخوة العرب الذين يفضلون قضاء عطلتهم فيها بدلا من الذهاب إلى غيرها؛ لأسباب عديدة، وهؤلاء سيتدفقون على مصر بغض النظر عن قيمة الجنيه. الخلاصة، إن تشجيع السياحة لا يرتبط بقيمة العملة، وأن الحجة على الرغم من منطقيتها تبدو خاطئة، فدول العالم التي تستقطب أكبر قدر من السياح ليست دولا رخيصة التكلفة بالنسبة للسائحين كما يعتقد، على سبيل المثال تعد لندن من أغلى مدن العالم ومع ذلك هي أكثر مناطق الجذب السياحي في العالم؛ لأن السياحة يخطط لها بعناية.


    ثالثا: هل يؤدي تخفيض قيمة العملة إلى جذب الاستثمار الأجنبي؟ هناك كم كبير من الكتابات الاقتصادية حول العوامل المحددة لتدفقات للاستثمار الأجنبي المباشر في دول العالم، غير أن الدلائل التطبيقية التي تقدمها تلك الدراسات تشير إلى اهتمام الاستثمار الأجنبي المباشر بصفة أساسية بعوامل مثل حجم السوق والقوة الشرائية فيه ونوعية بيئة الأعمال واستقرار القوانين ومستويات الضرائب، وغير ذلك من العوامل التي تلعب دورا حاسما في هذه التدفقات، أما بالنسبة لتخفيض قيمة العملة، فإنه يخلق ميزة للشركات الأجنبية، حيث تصبح تكاليف الإنتاج، بصفة خاصة الأجور، رخيصة نسبيا في الدولة التي حدث فيها التخفيض، هذا طبعا بشرط ألا يترتب على التخفيض ارتفاع الضغوط التضخمية، غير أنه من ناحية أخرى، يلعب استقرار معدل الصرف الأجنبي دورا مهما أيضا في هذه التدفقات، وكلما ارتفعت درجة عدم استقرار معدل الصرف كلما ازدادت درجة عدم التأكد المصاحبة لقرار الاستثمار، وهو ما يؤثر بصورة سلبية على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.

    وأخيرا، هل هناك من آثار جانبية أخرى لتخفيض الجنيه؟ الإجابة هي نعم، هناك العديد من الآثار الأخرى لمثل هذا القرار، أهمها أن التجارب السابقة في تخفيض قيمة الجنيه قد انتهت جميعها بارتفاع معدل التضخم، وهو أهم الآثار السلبية المتوقعة لمثل هذا القرار، والتي ستمس بالتأكيد رجل الشارع، بصفة خاصة مع الاتجاه العالمي لارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية حاليا، ومن ثم فإن الدول التي تستورد الغذاء من الخارج مثل مصر عندما تخفض قيمة عملتها فإنها تضيف مزيدا من الزيت على نار التضخم. ويوضح الشكل رقم (2) تطورات معدل الصرف ومعدل التضخم في مصر، ويلاحظ من الشكل أن تخفيضات قيمة الجنيه صاحبها ضغوط تضخمية، وإن كان هناك فترات تأخير للأثر. من ناحية أخرى، فإنه كلما ازدادت الآثار التضخمية الناجمة عن التخفيض في قيمة العملة قل الأثر التصحيحي للتخفيض على الميزان التجاري.
    كذلك، فإن الإعلان عن النية في التخفيض سيدفع بالعديد من المضاربين في مصر والخارج إلى المضاربة على الجنيه، وهو ما سيرفع قيمة الدولار في السوق المصري ويؤدي إلى تدهور قيمته حتى قبل أن تتم عملية التخفيض بالفعل، ومما لا شك فيه أن مثل هذه المضاربات الضارة ستحدث آثارا سلبية في سوق النقد الأجنبي.





    وأخيرا، فإنه من المتوقع مع تخفيض قيمة الجنيه ضعف الإقبال على الاحتفاظ بالمودعات بالعملة المحلية؛ نظرا لتراجع قيمتها مع التخفيض التدريجي لقيمة الجنيه، وتزايد الإقبال على المودعات بالعملات الأجنبية مثل الدولار واليورو، وهو ما يطلق عليه إحلال العملة، الأمر الذي سيلقي بضغوط إضافية على معدل الصرف مع تزايد الطلب على عمليات إحلال العملة والتخلص من المودعات بالجنيه المصري.
    الخلاصة، ليس من المتوقع أن يترتب على تخفيض قيمة الجنيه تحسن وضع الميزان التجاري المصري، كما أن التخفيض ليس هو السياسة المناسبة لزيادة الإيرادات السياحية، ولا تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وأن العوائد المرتقبة من عملية تخفيض قيمة الجنيه لا تقارن بالمخاطر المصاحبة له، بصفة خاصة آثار عملية التخفيض على ارتفاع الضغوط التضخمية في الداخل وهو آخر ما تتمنى مصر أن تواجهه في ظروفها الحالية، حيث تتراجع القوة الشرائية للدخول مما يعقّد من مشكلة المطالب الفئوية التي تندلع من وقت إلى آخر في مصر مسببة تعطيل جهاز الإنتاج.

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. الصين وسياسة العملة الجديدة
    بواسطة croom في المنتدى آسيا
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 11-08-24, 04:01 AM
  2. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 11-08-19, 02:44 AM
  3. دراسة: العملة الخليجية تكاليفها باهظة
    بواسطة croom في المنتدى العملات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 10-11-06, 01:53 PM
  4. كيف نمنع حرب العملة
    بواسطة croom في المنتدى العملات
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 10-10-16, 11:20 PM
  5. من أشعل حرب العملة؟
    بواسطة croom في المنتدى العملات
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 10-10-16, 11:19 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Powered by vBulletin®
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
Translate By Almuhajir
جميع المواضيع و الردود المطروحة لا تعبر عن رأي المنتدى بل تعبر عن رأي كاتبها فقط
الساعة الآن 02:03 AM